Sunday, August 23, 2026

Mr. Nabil Hanna

ما هي «الأبروباتيكي» التي يذكرها دفنار صعود جسد العذراء القديسة مريم والدة الإله؟


يقول الدفنار في 16 مسرى، في الحديث عن صعود جسد العذراء القديسة مريم والدة الإله: «والأبروباتيكي والجلجلة يشهدون لنا بصعودها» (الدفنار، 16 مسرى). وتظهر كلمة «الأبروباتيكي» بهذا الرسم في الدفنار المطبوع، وفي النص الموجود بتطبيق كوبتك ريدر، وكذلك في مخطوط للدفنار بالقبطية والعربية. لذلك فوجودها ليس خطأً عارضًا في طبعة حديثة، بل لفظ قديم محفوظ في نص الدفنار، وإن كان معناه لم يعد واضحًا لكثير من القراء اليوم.


وقبل تفسير معنى الكلمة، ينبغي الانتباه إلى موضع الوقف في قراءة المقطع؛ لأن هذا وحده يزيل جزءًا كبيرًا من الغموض. فالدفنار يعدد مواضع مختلفة ويكرر عنها عبارة «يشهدون لنا بصعودها»، ولذلك تنتهي الجملة السابقة عند «… يشهدون لنا بصعودها»، ثم تبدأ جملة جديدة: «الأبروباتيكي والجلجلة يشهدون لنا بصعودها» (الدفنار، 16 مسرى). وهذا ظاهر أيضًا في الترجمة الإنجليزية الموجودة بتطبيق كوبتك ريدر؛ إذ تنتهي الجملة السابقة عند her ascension، ثم تبدأ جملة جديدة: The Propatic and Golgotha testify to us of her ascension. وقد أبقت الترجمة الاسم منقولًا بصيغة Propatic بدل ترجمته، لكن المهم هنا أن تقسيم الجملة نفسه يؤكد أن «الأبروباتيكي» اسم موضع يبدأ به كلام جديد، وليست وصفًا لصعود العذراء القديسة مريم والدة الإله أو لطريقة صعودها. فمن يقرأ المقطع دون الوقوف بعد «بصعودها» قد يظن خطأً أن الكلمة متصلة بما قبلها.


أما أصل الاسم فهو يوناني: προβατική (بروباتيكي)، من πρόβατον (بروباتون)، أي «خروف» أو «غنم»، والصفة προβατικός (بروباتيكوس) معناها «الخاص بالغنم» أو «المتعلق بالغنم» (معجم سترونج، رقم 4262). ويحدد الاستعمال الكتابي المقصود بصورة أوضح؛ ففي نحميا 3: 1 نقرأ في العربية عن «باب الضأن» في سور أورشليم، بينما تقول الترجمة السبعينية اليونانية: τὴν πύλην τὴν προβατικήν (تين پيلين تين بروباتيكين) (نح 3: 1، السبعينية، طبعة سويت). فكلمة πύλην (پيلين) تعني «الباب»، وπροβατικήν (بروباتيكين) تعني «الخاص بالضأن»، فيكون معنى التعبير كله: «باب الضأن». والصورة الرابعة تُظهر الكلمة نفسها داخل نص نحميا؛ وπροβατικήν هنا صيغة نحوية من προβατική، أي الكلمة نفسها التي تقف وراء لفظ «الأبروباتيكي» في الدفنار.


والأمر لا يقف عند اليونانية؛ فالقبطية نفسها احتفظت بهذه التسمية. ففي النص القبطي البحيري ليوحنا 5: 2 نجد ϯⲡⲣⲟⲃⲁⲧⲓⲕⲏ (تي بروباتيكي)، أي إن النص القبطي أبقى الاسم «البروباتيكي» نفسه مع أداة التعريف القبطية ϯ (يو 5: 2، النص القبطي البحيري). وهذا يفسر بسهولة صورة الكلمة في الدفنار العربي: أمامنا تسمية يونانية دخلت الاستعمال القبطي واحتُفظ بها، ثم ظهرت في العربية منقولة بصورتها الصوتية: «الأبروباتيكي».


ونجد الكلمة نفسها في النص اليوناني ليوحنا 5: 2: ἐπὶ τῇ προβατικῇ κολυμβήθρα (إِپي تي بروباتيكي كوليمبيثرا)، وتقول الترجمة العربية: «وفي أورشليم عند باب الضأن بركة…» (يو 5: 2). وفي تحليل النص اليوناني الظاهر في الصورة الخامسة تُفسَّر προβατικῇ (بروباتيكي) بـ Sheep Gate، أي «باب الضأن»، بينما κολυμβήθρα (كوليمبيثرا) تعني «بركة» (يو 5: 2، Bible Hub). وهذا الفهم يوافق استعمال نحميا مباشرة، حيث ورد التعبير كاملًا: πύλη προβατική = باب الضأن. فالمقصود بـ«البروباتيكي» هنا هو باب الضأن أو الموضع المعروف بهذه التسمية، ثم يذكر الإنجيل البركة الموجودة عنده.


وبذلك تتضح السلسلة اللغوية: προβατική في اليونانية، ثم ⲡⲣⲟⲃⲁⲧⲓⲕⲏ في القبطية، ثم «الأبروباتيكي» في العربية. فالكلمة ليست لفظًا عربيًا غامضًا، بل اسم قديم احتُفظ به عبر انتقال النص، والمقصود به في هذا السياق باب الضأن أو الموضع المعروف بهذه التسمية في أورشليم.


وسياق الدفنار يفسر أيضًا سبب ذكر هذا الموضع مع الجلجلة. فالنص يذكر أولًا الرسل بوصفهم الشهود: «فأما هم بالحقيقة، أعني الرسل، فهم الشاهدون بصعودها» (الدفنار، 16 مسرى)، ثم ينتقل بلغته الشعرية إلى الأماكن نفسها، فيذكر الجثسيمانية وجبل الزيتون وأورشليم ووادي يهوشافاط وغيرها، ويجعلها كأنها تنطق بالشهادة، حتى يقول: «والأبروباتيكي والجلجلة يشهدون لنا بصعودها» (الدفنار، 16 مسرى). فليس المقصود أن كل موضع «شاهد عيان» بالمعنى الحرفي، بل إن الدفنار يشخّص هذه الأماكن ويجعل مواضع أورشليم نفسها حاضرة في ذكرى الحدث وشاهدة له بلغته الشعرية.


وعليه، فقول الدفنار «والأبروباتيكي والجلجلة يشهدون لنا بصعودها» يمكن أن يُفهم للقارئ العربي اليوم بمعنى: «وباب الضأن والجلجلة يشهدان لنا بصعودها». فـ«الأبروباتيكي» اسم موضع في أورشليم، لا وصف لصعود العذراء القديسة مريم والدة الإله ولا لطريقة صعودها، ومعناه يتضح من الاستعمال الكتابي نفسه: باب الضأن.


الصور بالترتيب: الدفنار المطبوع، ثم تطبيق كوبتك ريدر الذي يوضح أيضًا موضع الوقف وبداية الجملة الجديدة، ثم مخطوط الدفنار، ثم نحميا 3: 1 بحسب الترجمة السبعينية، وأخيرًا النص اليوناني ليوحنا 5: 2.

Nabil Hanna